نبيل محمد سمارة
في السياسة الدولية، لا تقاس الانتصارات بعدد حاملات الطائرات، ولا بحجم الترسانات العسكرية، بل بقدرة الدول على الصمود عندما تحاصر، والثبات عندما يراد لها أن تنكسر.
ومن هذا المنظور، تبدو التجربة الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة مثالا صارخا على انقلاب موازين القوة، حين تحول الضغط الأمريكي الهائل إلى مقدمة تفاوض بدل أن يكون إعلان خضوع.
لقد أحضرت الولايات المتحدة كل أدواتها الثقيلة إلى طاولة التهديد:
عقوبات خانقة، حصار اقتصادي، استعراض بحري، قواعد عسكرية، ورسائل سياسية لا تخلو من لغة الوعيد. كان المشهد يوحي بأن إيران أمام خيارين لا ثالث لهما: الانصياع أو الانهيار.
لكن ما حدث فعليا كان مختلفا تماما.
إيران: عناد الدولة لا عناد اللحظة
إيران لم تبد خوفا، ولم ترسل إشارات ضعف.
بقي الخطاب السياسي متماسكا، والقرار السيادي صلبا، والرسائل موجهة بدقة: نحن لسنا دولة تدار بالتهديد.
هذا العناد – الذي وصفه خصومها بالتصعيد – لم يكن انفعالًا، بل سياسة محسوبة تقوم على امتصاص الصدمة، وإدارة الوقت، وتحويل الضغط إلى ورقة تفاوض.
ومع مرور الأيام، بدأت المعادلة تتغير.
أمريكا التي جاءت بكل ترسانتها العسكرية إلى المنطقة، وجدت نفسها أمام واقع معقّد:
لا حرب ممكنة بلا كلفة باهظة، ولا إسقاط لإيران من الداخل، ولا انهيار سريع كما كان يتوقع.
من لغة الإملاء إلى لغة التفاوض
وهنا حدث التحول الأهم.
التفاوض، الذي كان مرفوضا من واشنطن إلا بشروط الإذعان، أصبح مقبولا بل وضروريا.
لم تعد أمريكا تتحدث من موقع المنتصر الذي يفرض، بل من موقع الباحث عن مخرج آمن من أزمة مفتوحة.
هذا لا يعني أن إيران حققت نصرا عسكريا تقليديا، بل حققت ما هو أعمق:
نصر الإرادة السياسية.
نصر الدولة التي رفضت أن تدار بالضغوط، وأجبرت خصمها على الاعتراف بوجودها لاعبا لا يمكن تجاوزه.
الخامنئي: حين تقود الحكمة الدولة
لا يمكن قراءة هذا المشهد دون التوقف عند دور القيادة.
ففي قلب هذه المواجهة، كان هناك رجل يراهن على الزمن أكثر مما يراهن على الانفعال، رجل يلقب في الداخل بـسيد الحكماء: آية الله علي الخامنئي.
قيادته لم تكن صاخبة، ولم تعتمد الخطابات النارية فقط، بل قامت على:
ضبط إيقاع الداخل
منع الانقسام
وإرسال رسائل واضحة للخارج بأن إيران لا تفاوض تحت السكين
وجود شخصية بهذا الثقل السياسي والعقائدي منح الدولة ثباتًا نفسيًا قبل أن يكون ثباتًا عسكريًا، وهو عنصر غالبًا ما تغفله الحسابات الغربية.
خلاصة المشهد
ما جرى لم يكن انتصارا لحظة، بل تحولا في قواعد اللعبة.
أمريكا أدركت أن سياسة العصا وحدها لا تجدي مع إيران، وإيران أدركت أن الصمود الطويل يمكن أن يجبر أقوى دولة في العالم على الجلوس إلى الطاولة.
لذلك، يمكن القول بثقة:
ما دامت إيران تملك قيادة تعرف متى تصمت، ومتى تصمد، ومتى تفاوض،
فلا خوف عليها من حملات، مهما عظمت ترساناتها.
ففي السياسة، الصلابة الذكية قد تهزم القوة الغاشمة…
وهذا ما حدث بالفعل.
https://telegram.me/buratha

