المقالات

قراءة : كيف وجدت أمريكا نفسها تفاوض ايران ؟

123 2026-02-09

نبيل محمد سمارة

 

 

في السياسة الدولية، لا تقاس الانتصارات بعدد حاملات الطائرات، ولا بحجم الترسانات العسكرية، بل بقدرة الدول على الصمود عندما تحاصر، والثبات عندما يراد لها أن تنكسر.

ومن هذا المنظور، تبدو التجربة الإيرانية في مواجهة الولايات المتحدة مثالا صارخا على انقلاب موازين القوة، حين تحول الضغط الأمريكي الهائل إلى مقدمة تفاوض بدل أن يكون إعلان خضوع.

لقد أحضرت الولايات المتحدة كل أدواتها الثقيلة إلى طاولة التهديد:

عقوبات خانقة، حصار اقتصادي، استعراض بحري، قواعد عسكرية، ورسائل سياسية لا تخلو من لغة الوعيد. كان المشهد يوحي بأن إيران أمام خيارين لا ثالث لهما: الانصياع أو الانهيار.

لكن ما حدث فعليا كان مختلفا تماما.

إيران: عناد الدولة لا عناد اللحظة

إيران لم تبد خوفا، ولم ترسل إشارات ضعف.

بقي الخطاب السياسي متماسكا، والقرار السيادي صلبا، والرسائل موجهة بدقة: نحن لسنا دولة تدار بالتهديد.

هذا العناد – الذي وصفه خصومها بالتصعيد – لم يكن انفعالًا، بل سياسة محسوبة تقوم على امتصاص الصدمة، وإدارة الوقت، وتحويل الضغط إلى ورقة تفاوض.

 

ومع مرور الأيام، بدأت المعادلة تتغير.

أمريكا التي جاءت بكل ترسانتها العسكرية إلى المنطقة، وجدت نفسها أمام واقع معقّد:

لا حرب ممكنة بلا كلفة باهظة، ولا إسقاط لإيران من الداخل، ولا انهيار سريع كما كان يتوقع.

 

من لغة الإملاء إلى لغة التفاوض

 

وهنا حدث التحول الأهم.

التفاوض، الذي كان مرفوضا من واشنطن إلا بشروط الإذعان، أصبح مقبولا بل وضروريا.

لم تعد أمريكا تتحدث من موقع المنتصر الذي يفرض، بل من موقع الباحث عن مخرج آمن من أزمة مفتوحة.

 

هذا لا يعني أن إيران حققت نصرا عسكريا تقليديا، بل حققت ما هو أعمق:

نصر الإرادة السياسية.

نصر الدولة التي رفضت أن تدار بالضغوط، وأجبرت خصمها على الاعتراف بوجودها لاعبا لا يمكن تجاوزه.

 

الخامنئي: حين تقود الحكمة الدولة

 

لا يمكن قراءة هذا المشهد دون التوقف عند دور القيادة.

ففي قلب هذه المواجهة، كان هناك رجل يراهن على الزمن أكثر مما يراهن على الانفعال، رجل يلقب في الداخل بـسيد الحكماء: آية الله علي الخامنئي.

قيادته لم تكن صاخبة، ولم تعتمد الخطابات النارية فقط، بل قامت على:

ضبط إيقاع الداخل

منع الانقسام

وإرسال رسائل واضحة للخارج بأن إيران لا تفاوض تحت السكين

وجود شخصية بهذا الثقل السياسي والعقائدي منح الدولة ثباتًا نفسيًا قبل أن يكون ثباتًا عسكريًا، وهو عنصر غالبًا ما تغفله الحسابات الغربية.

 

خلاصة المشهد

 

ما جرى لم يكن انتصارا لحظة، بل تحولا في قواعد اللعبة.

أمريكا أدركت أن سياسة العصا وحدها لا تجدي مع إيران، وإيران أدركت أن الصمود الطويل يمكن أن يجبر أقوى دولة في العالم على الجلوس إلى الطاولة.

 

لذلك، يمكن القول بثقة:

 

ما دامت إيران تملك قيادة تعرف متى تصمت، ومتى تصمد، ومتى تفاوض،

فلا خوف عليها من حملات، مهما عظمت ترساناتها.

ففي السياسة، الصلابة الذكية قد تهزم القوة الغاشمة…

وهذا ما حدث بالفعل.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
فيسبوك