لم يكن العراق يوماً دولةً عادية في الوجدان العربي، بل كان على الدوام قلباً نابضاً في جسد الأمة، يضخ الدم حين يضعف الآخرون، ويحمل العبء حين تتراجع الإرادات.
لم يكن حضوره مجرد حضور جغرافي أو سياسي، بل كان حضوراً وجودياً، ممتداً عبر صفحات التاريخ إلى خنادق المواجهة الحديثة، حيث امتزجت دماء العراقيين بتراب فلسطين، وعلى أسوار سوريا، وفي سماء مصر، وفي ميادين الدفاع عن الكرامة العربية.
لقد كان العراق، في لحظات الانكسار العربي الكبرى، حاضراً بقوة الدولة لا بخطاب الشعارات، وبفعل التضحية لا ببيانات التضامن.
لم يسأل عن المقابل، ولم ينتظر اعترافاً، لأن منطقه كان قائماً على أن قوة العراق من قوة أمته، وأن سقوط أي عاصمة عربية هو تصدع في جدار الأمن القومي العراقي نفسه.
لذلك تحركت جيوشه، وانفتحت خزائنه، وسخرت إمكاناته، ليس كمن يمنح فضلًا، بل كمن يؤدي واجباً يراه جزءاً من هويته.
من الجزائر إلى اليمن، ومن دمشق إلى القاهرة، ومن عمّان إلى الرباط، ترك العراقي أثره الذي لا يُمحى.
ففي الجزائر، ساهم المعلم العراقي في ترسيخ الهوية العربية بعد الاستقلال، وفي اليمن، كان الطبيب والأستاذ العراقي رسول علمٍ وحياة، وفي الأردن ظل العراق سنداً اقتصادياً واستراتيجياً في أصعب الظروف، وفي لبنان كان خير عوناً ،وفي المغرب، حضر العراق في لحظات الكارثة قبل أن يُطلب منه الحضور.
لم تكن هذه الأفعال استثمارات سياسية قصيرة الأمد، بل كانت تعبيراً عن رؤية قومية راسخة ترى أن الأمة كيان واحد، وأن الحدود السياسية لا تلغي وحدة المصير.
لكن السياسة، بخلاف التاريخ، لا تُبنى على الذاكرة وحدها، بل على موازين القوة والمصالح المتغيرة.
وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة ، فحين كان العراق قوياً ، كان حضوره مصدر توازن وهيبة، وحين أُضعف بفعل الحروب والحصار والاحتلال، تغيّر موقعه في الحسابات، ليس لأن قيمته الحضارية تراجعت، بل لأن النظام الدولي والإقليمي يعيد تعريف الأدوار وفق معادلات القوة لا وفق سجل التضحيات.
إن الشعور بالتنكر من قبل انظمة الدول العربية الذي يلمسه العراقيين لا ينبع من وهم، بل من فجوة بين ذاكرة التضحية وواقع السياسة. فالدول بطبيعتها لا تتصرف وفق منطق الوفاء، بل وفق منطق البقاء وهي حين تعيد تموضعها فإنها تنظر إلى الحاضر أكثر مما تنظر إلى الماضي، وإلى موازين القوة أكثر مما تنظر إلى صفحات التاريخ وهذا ليس تبريراً بقدر ما هو تفسير لواقع قاسٍ لا يعترف إلا بالأقوياء.
ثم إن العراق نفسه لم يخرج من العقود الماضية كما دخلها ، لقد دفع أثماناً باهظة، من حرب طويلة استنزفت شبابه، إلى حصار أنهك شعبه، إلى احتلال فكك مؤسساته، إلى إرهاب حاول كسر إرادته ، ومع ذلك، بقي العراق واقفاً لأن الدول التي تمتلك عمقاً حضارياً لا تسقط، بل تمرض وتتعافى.
فالعراق ليس مجرد نظام سياسي عابر، بل هو تراكم حضاري يمتد آلاف السنين، من سومر إلى بغداد، ومن بيت الحكمة إلى ميادين الدفاع عن الأرض والهوية.
وإذا كان البعض قد نسي، فإن التاريخ لا ينسى ، وإذا كانت السياسة تتبدل، فإن الجغرافيا لا تتبدل .
العراق بحكم موقعه وثروته وعمقه البشري سيبقى عنصراً حاسماً في معادلة المنطقة. ليس التحدي الحقيقي هو أن يتذكر الآخرون دور العراق، بل أن يستعيد العراق ذاته، ويعيد بناء قوته على أسس الاستقرار والسيادة والوحدة الوطنية.
إن الأمم العظيمة لا تُقاس بما تواجهه من محن، بل بقدرتها على النهوض بعدها. والعراق الذي كان يوماً درعاً للعرب، لم يفقد جوهره، بل ينتظر لحظة اكتمال تعافيه ، وعندها لن يكون حضوره قائماً على استدعاء ذاكرة الماضي، بل على فرض معادلة الحاضر ولو كره الحاقدون .
العراق لم يكن يوماً طالب اعتراف، بل صانع تاريخ، مهما طال صمته، لا ينكر صانعيه.
https://telegram.me/buratha

