في الثالث من كانون الثاني، لا يعود التاريخ مجرّد تسلسل زمني للأحداث، بل يتحوّل إلى مرآة تكشف ثبات السلوك الأميركي حين يتعلّق الأمر بأميركا اللاتينية.
بعد ستة وثلاثين عاماً، يعيد هذا التاريخ نفسه، وإن اختلفت الأسماء وتبدّلت الذرائع. من مانويل نورييغا في بنما إلى نيكولاس مادورو في فنزويلا، يبقى جوهر الفعل واحداً: تجاوز القانون الدولي باسم «الأمن» و«الديمقراطية»، وفرض الإرادة بالقوة السياسية والاقتصادية، وأحياناً العسكرية.
في الثالث من كانون الثاني 1989، كانت بنما تعيش واحدة من أكثر لحظاتها قسوة. الولايات المتحدة، التي صنعت نورييغا رجلها القوي في الاستخبارات البنمية خلال الحرب الباردة، قرّرت فجأة تحويله إلى «عدوّ» يهدد الاستقرار الإقليمي.
فُرض الحصار، صُنّفت الدولة «مارقة»، ثم جاءت عملية «القضية العادلة» التي انتهت بغزو عسكري مباشر بعد أيام قليلة. سقط آلاف المدنيين، دُمّرت أحياء كاملة، وانتهى المشهد باعتقال نورييغا ونقله إلى فلوريدا لمحاكمته أمام قضاء دولة أجنبية، في سابقة صريحة لانتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، من دون تفويض أممي أو احترام لمبادئ عدم التدخل المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
بعد ستة وثلاثين عاماً، في الثالث من كانون الثاني 2025، تعود فنزويلا إلى واجهة المشهد. لا غزو عسكرياً معلناً، لكن الأدوات أصبحت أكثر «نعومة» وأشدّ فتكاً.
الولايات المتحدة تعلن مجدداً عدم اعترافها بشرعية الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، وتلوّح بخيارات مفتوحة، بينما تفرض عقوبات خانقة تطال النفط، العملة، التحويلات المالية، وحتى الغذاء والدواء. تُستدعى لغة حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن النتائج على الأرض تشبه حصاراً جماعياً لشعب كامل، في خرق واضح لمبدأ عدم جواز العقوبات الأحادية خارج إطار مجلس الأمن.
المفارقة أن القانون الدولي، الذي يُفترض أن يكون المرجعية العليا في العلاقات بين الدول، يُستدعى انتقائياً.
في حالة بنما، جرى تبرير الغزو بمكافحة المخدرات وحماية الرعايا الأميركيين، رغم أن هذه المبررات لا تمنح أي دولة حق إسقاط حكومة بالقوة.
وفي حالة فنزويلا، يُستخدم خطاب «الشرعية» لتبرير التدخل في خيارات شعبية داخلية، مع أن ميثاق الأمم المتحدة يؤكد صراحة حق الشعوب في تقرير مصيرها دون إكراه خارجي.
بين نورييغا ومادورو، تتبدّل الأساليب لكن لا يتغير المنطق. أميركا لا تعاقب الأنظمة لأنها «استبدادية»، بل لأنها خرجت عن الطاعة أو حاولت بناء استقلال سياسي واقتصادي يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
نورييغا أصبح خطراً حين لم يعد منضبطاً ضمن المنظومة الأميركية، ومادورو أصبح هدفاً لأنه ورث مشروعاً سيادياً يرفض الخضوع لشروط واشنطن في النفط والتحالفات الدولية.
الثالث من كانون الثاني، إذن، ليس مجرد تاريخ متكرر، بل رمز لنهج مستمر في تجاوز القوانين الدولية حين تتعارض مع القوة. وهو يطرح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً كبيراً:
هل القانون الدولي أداة لحماية الضعفاء أم مجرد نصّ يُجمَّد عندما تقرر القوى الكبرى أن مصالحها أعلى من الشرعية؟ التجربتان تجيبان بوضوح مؤلم: في عالم غير متوازن، تُكتب القواعد للجميع، لكن لا يُحاسَب على كسرها إلا من لا يملك القوة.
وهكذا، من بنما إلى فنزويلا، يبقى الثالث من كانون الثاني شاهداً على أن التاريخ لا يعيد نفسه صدفة، بل لأن الأسباب ذاتها ما زالت قائمة وهي منطق الهيمنة، وازدواجية المعايير، وصمت دولي لا يتحرك إلا بعد أن يكون الثمن قد دُفع من دماء الشعوب ومعاناتها.
https://telegram.me/buratha

