المقالات

في ذكرى العروج المبارك الشهادة والسيادة

213 2026-01-05

باسم الكناني

مقاربة تحليلية لأثرها المجتمعي وسبل الوفاء للشهداء

تُمثِّل الشهادة في سبيل القيم العليا والسيادة الوطنية ظاهرة إنسانية عميقة الجذور، تتفاعل مع تشكيل الهوية الجماعية وتحديد المسارات التاريخية للمجتمعات، لا تقتصر الشهادة على البُعد التضحوي الفردي، بل تتعداه لتكون فعلاً تأسيسياً يشارك في صياغة الوعي الجمعي وترسيخ مبادئ السيادة والاستقلال.

الشهادة، في مفهومها الفلسفي والاجتماعي، ليست مجرد خسارة بشرية، بل هي فعل اختياري يرتقي إلى مستوى التعبير الأعلى عن الانتماء والسيادة، فالشهيد، باختياره التضحية، يحوِّل جسده إلى رمز دالٍّ، وإلى خطاب سياسي وأخلاقي يخاطب الحاضر والمستقبل. هذه التضحية تصبح عاملاً محفزاً لإعادة تعريف حدود الجماعة وقيمها، وتعيد تأكيد سيادتها المعنوية والمادية.

أما السيادة، فلا تعني مجرد الاستقلال السياسي الشكلي، بل تشمل قدرة المجتمع على اتخاذ قراراته المصيرية، والدفاع عن كيانه الحضاري، ورفض التبعية بأنواعها، هنا تلتقي الشهادة مع السيادة، إذ أن استعداد الأفراد للتضحية القصوى من أجل الجماعة يُعدُّ الضمانة الأعمق لصون السيادة، والأداة الأكثر مصداقية في مواجهة محاولات الهيمنة الخارجية.

للشهادة تأثيرات متعددة المستويات في المجتمع فعلى المستوى النفسي والروحي تُحدث الشهادة صدمة تحويلية تدفع المجتمع إلى مراجعة أولوياته وتقوية تماسكه الداخلي، كما تخلق قدوات عليا تُعيد توجيه البوصلة القيمية للأفراد نحو العطاء والتضحية، أما على المستوى السياسي فهي تمنح الشرعية والمشروعية للنظم والمشاريع التي دافع عنها الشهداء، وتوفر رأس مال رمزياً يمكن تحويله إلى طاقة اجتماعية فاعلة، كذلك تسهم الشهادة على المستوى الحضاري في بناء الذاكرة الجماعية وتشكيل الرواية التاريخية للمجتمع، مما يقوي هويته ويحميها من محاولات التشويه والطمس.

الوفاء للشهداء يتطلب انتقالاً من الخطاب التكريمي إلى البرنامج العملي، وذلك عبر توثيق سير الشهداء ودراسة تجاربهم، وتحويلها إلى مادة تربوية للأجيال، وإقامة النصب والمتاحف التي تحفظ ذكراهم، والوفاء لتضحيتهم بتحقيق الأهداف التي استشهدوا من أجلها، والاستمرار في المشاريع التي قدموا أرواحهم ثمناً لها، ومواجهة التحديات التي واجهوها بذات العزيمة، ويكون الوفاء القانوني والأخلاقي برعاية أسر الشهداء وضمان حقوقهم، وملاحقة الجناة والمعتدين عبر الآليات القانونية والدولية المتاحة، تكون قمة الوفاء الاستراتيجي باستخلاص الدروس من تجارب الشهداء، وتطوير الآليات الكفيلة بحماية السيادة الوطنية ومنع الحاجة إلى التضحية بالمزيد من الأرواح.

مثَّل استشهاد القائدين الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس نقطة تحول في موازين القوى الإقليمية، وكشف عن أبعاد متعددة لفاعلية الشهادة في الدفاع عن السيادة وقد مثل البعد الاستراتيجي في مواجهة المشاريع التقسيمية عندما قاد الشهيدان عمليات عسكرية وسياسية أحبطت مخططات إعادة رسم الخريطة الإقليمية في غرب اسيا، خاصة مشروع عصابات داعش الإرهابية الذي مثَّل أداة لتفكيك الدول وتفتيت الهويات الوطنية، إذ كانت مقاومة عصابات داعش الإرهابية دفاعاً عن سيادة الدول المُهددة ووحدتها الجغرافية والبشرية.

أسهم الحاجان الشهيدان في تطوير نظريات عسكرية غير تقليدية تعتمد على القدرات المحلية ورفض التبعية للقوى الخارجية، مما عزّز سيادة القرار الوطني لدول المنطقة في مجالي الدفاع والأمن وقد أظهرت مسيرة الشهيدين إمكانية بناء تحالفات إقليمية مستقلة عن الإرادات الغربية، تقوم على المصالح المشتركة والتهديدات الموحدة، مما شكل تحدياً للنماذج التحالفية التقليدية المهيمنة، أدت إستراتيجية الشهيدين الى تحول الصراع من حالة الدفاع إلى إمكانية الردع، عبر تطوير قدرات نوعية غير متماثلة مع القوى المعادية، مما فرض معادلات جديدة رفعت كلفة العدوان على سيادة دول المنطقة.

تشكل الشهادة، في معناها العميق، تعبيراً عن أقصى درجات الالتزام بالسيادة الوطنية والجماعية. وهي لا تُقاس بكم الأرواح المقدمة، بل بنوعية المشروع الذي تخدمه، وقدرته على تحقيق الاستقلال الحقيقي والكرامة الإنسانية، الشهداء سليماني والمهندس مثَّلا نموذجاً لتحويل التضحية الفردية إلى قوة جماعية فاعلة، أعادت صياغة المعادلات الإقليمية.

الوفاء الحقيقي لهؤلاء الشهداء ولغيرهم، لا يكون بالرثاء والذكرى فقط، بل بالبناء على تراثهم النضالي، واستكمال المشروع الذي قدموا أرواحهم من أجله مشروع السيادة الوطنية، والكرامة الإنسانية، والعدالة الدولية. وهذا يتطلب تطوير آليات عملية تحول البعد الرمزي للشهادة إلى برامج عمل استراتيجية، تحفظ مكتسبات التضحيات، وتفتح آفاقاً جديدة للأجيال القادمة في ظل عالم تتزايد فيه التحديات ضد سيادة الدول والشعوب.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
فيسبوك