لم تعد الولايات المتحدة تكترث للأقنعة التي طالما ارتدتها لتسويق عدوانها.
فقصف فنزويلا وخطف رئيسها وزوجته ليس حدثاً عابراً ولا “خطأً تكتيكياً”، بل إعلان صريح عن سقوط آخر أوراق التوت التي كانت تستر بها عري مشروعها الإمبراطوري. إنه عدوان سافر، مكتمل الأركان، واستهتار فجّ بكل القيم التي ادّعت يوماً أنها حارسة لها، وبكل القرارات الدولية التي يفترض أنها ملزمة لا انتقائية.
ما تفعله واشنطن اليوم هو ممارسة مكشوفة لسياسة شريعة الغاب ؛
من لا يخضع يُقصف، ومن يرفض الوصاية يُعاقَب، ومن يحاول امتلاك قراره السيادي يُجرّ إلى الفوضى.
لم يعد هناك حديث جاد عن القانون الدولي، ولا عن سيادة الدول، ولا عن أمن جماعي.
كل ذلك يُدهس تحت مقدمة المصالح الأمريكية، في لحظة غرور تاريخي لا تختلف كثيراً عن لحظات أفول الإمبراطوريات التي سبقتها.
الأخطر من القصف نفسه هو الرسالة التي يحملها ترامب وهي أن العالم محكوم بمنطق القوة العارية، وأن الولايات المتحدة ترى نفسها فوق المحاسبة، وفوق الشرعية، وفوق الإنسانية.
بهذا السلوك، لا تهدد أمريكا فنزويلا وحدها، بل تهدد بنية النظام الدولي برمتها، وتفتح أبواب المواجهة على مصاريعها، وكأنها تدفع العالم عمداً نحو حافة انفجار شامل.
لقد أثبت التاريخ، دون استثناء، أن الإمبراطوريات لا تسقط بسبب ضعف أعدائها، بل بسبب غطرستها هي.
حين تتوهم القوة أنها أبدية، وحين تتحول الهيمنة إلى هوس، يبدأ العدّ التنازلي للانهيار.
روما سقطت، وبريطانيا تراجعت، والاتحاد السوفيتي تفكك، وكلها كانت تظن أن الشمس لن تغيب عن نفوذها.
والولايات المتحدة اليوم تسير على الدرب ذاته، تكدّس الأعداء، وتستنزف مواردها، وتفقد ما تبقى من رصيدها الأخلاقي.
إن سياسة القصف والتهديد والعقوبات لم تعد دليل قوة، بل علامة خوف.
خوف من عالم يتغير، ومن توازنات جديدة تتشكل، ومن شعوب لم تعد تقبل أن تُدار من خلف البحار.
وما تصفه واشنطن بـ“فرض الاستقرار” ليس سوى صناعة فوضى، وما تسميه “الدفاع عن القيم” ليس إلا تبريراً فجّاً للعدوان.
أمريكا اليوم لا تقود العالم، بل تجرّه نحو الاضطراب. ولا تحمي السلام الدولي، بل تعرضه للاهتزاز الدائم.
وهي، باستمرار هذا النهج الأهوج، لا تؤسس لقرن أمريكي جديد، بل تكتب فصول أفولها بيدها.
فالإمبراطوريات لا تُهزم فقط في ساحات القتال، بل تنهار حين تعتقد أن العالم خُلق ليُحكم بالقوة وحدها.
https://telegram.me/buratha

