نبيل محمد سمارة
في العادة، تعلمنا كتب التاريخ أن الجيوش تترنح حين يغيب قائدها، وأن الأنظمة السياسية تفقد توازنها إذا ما فقدت رأسها. فالقائد في التجارب التقليدية ليس مجرد منصب إداري، بل هو مركز الثقل الرمزي والمعنوي، وصمام التوازن بين أجنحة السلطة ومؤسسات الدولة. لذلك ارتبطت لحظات رحيل القادة في الكثير من البلدان بمشاهد الارتباك والانقسام، وأحياناً الانهيار، إذ يتصدع البناء الذي كان يستند إلى شخص واحد، وتنكشف هشاشة الهياكل التي لم تصمم لتعيش بعده.
غير أن التجربة في إيران قدمت نموذجاً مغايراً يستحق التوقف عنده طويلاً. فحين رحل الإمام الخميني عام 1989، لم تدخل الدولة في فراغ دستوري عميق، ولم تتفكك مؤسساتها كما توقع كثيرون، بل بدا أن مرحلة جديدة بدأت تتشكل، وأن معركة إعادة التموضع السياسي والفكري انطلقت بزخم مختلف. وكأن الغياب لم يكن نهاية فصل بقدر ما كان بداية مسار آخر أكثر تعقيداً، تتداخل فيه ضرورات الاستمرار مع تحديات التحول.
لفهم هذه الظاهرة، لا بد من العودة إلى طبيعة النظام السياسي الإيراني نفسه، الذي لم يُبن بوصفه نظاماً شخصانياً صرفاً، بل ارتكز إلى منظومة مؤسساتية دستورية تجمع بين المرجعية الدينية والآليات الجمهورية. صحيح أن شخصية الخميني لعبت دوراً محورياً في تثبيت أركان الثورة عام 1979، وأن حضوره الكاريزمي كان عاملاً حاسماً في توحيد الصفوف خلال سنوات الحرب مع العراق، إلا أن البناء المؤسسي – من مجلس صيانة الدستور إلى مجلس الخبراء والحرس الثوري – كان جزءاً من معادلة الاستمرارية، بما يسمح بإعادة إنتاج السلطة ضمن أطر محددة سلفاً.
وحين انتقلت القيادة إلى السيد علي خامنئي، لم يكن الأمر مجرد انتقال بروتوكولي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام على العيش من دون مؤسسه الأول. في تلك اللحظة، انقسمت التحليلات بين من توقع تراجعاً تدريجياً للدور الإيراني، ومن رأى أن الدولة ستنغلق على ذاتها لتجنب المخاطر. غير أن السنوات اللاحقة كشفت عن مسار مختلف؛ إذ لم تنكفئ طهران، بل أعادت ترتيب أولوياتها، ووسّعت حضورها في ملفات إقليمية حساسة، مستفيدة من تحولات كبرى شهدتها المنطقة.
فمع سقوط بغداد عام 2003، وتبدل موازين القوى في المشرق، ومع اشتداد الأزمات في سوريا ولبنان واليمن، بدا أن إيران تتحرك ضمن رؤية استراتيجية تعتبر أن مشروعها لم يعد دفاعياً فحسب، بل بات جزءاً من معادلة توازن إقليمي أوسع. وفي الوقت ذاته، واجهت البلاد ضغوطاً اقتصادية قاسية نتيجة العقوبات الدولية، وتحديات داخلية تمثلت في احتجاجات دورية وتباينات بين التيارات السياسية. ومع ذلك، لم تتحول هذه الأزمات إلى انهيار شامل، بل بقيت ضمن إطار النظام ذاته، ما يشير إلى أن البنية المؤسسية كانت قادرة على امتصاص الصدمات بدرجات متفاوتة.
هنا تحديداً تتجلى الفكرة التي تستحق الدراسة: في أنظمة كثيرة، تكون الشرعية مرتبطة بشخص الحاكم، فإذا غاب تلاشت معه مبررات البقاء. أما في الحالة الإيرانية، فقد تداخلت الشرعية الثورية مع الشرعية الدستورية والدينية، لتشكل طبقات متعددة من الحماية السياسية. لقد تحول الإرث الرمزي للقائد الراحل إلى عنصر تعبئة داخلية، يُستحضر لتعزيز التماسك، لا ليكون مدخلاً للفراغ. وهكذا أصبحت “المعركة بعد القائد” معركة تثبيت الاستمرارية وإعادة تعريف الدور، لا معركة البقاء من الأساس.
إن القول بأن المعركة بدأت بعد رحيل القائد ليس توصيفاً إنشائياً، بل قراءة في مسار سياسي معقّد تشكّل عبر عقود من التحديات. فالدولة التي تنجح في تجاوز لحظة المؤسس هي تلك التي تحوّل الفكرة إلى مؤسسات، والرمزية إلى قواعد عمل، والعاطفة الثورية إلى سياسات قابلة للتكيّف مع الزمن. وفي عالم تتهاوى فيه أنظمة مع أول اختبار لغياب زعيمها، تبدو الحالة الإيرانية نموذجاً يثير أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة جاهزة. كيف تُبنى أنظمة قادرة على العيش بعد مؤسسيها؟ وكيف يمكن للغياب أن يتحول إلى نقطة انطلاق لا إلى نهاية الطريق؟ إنها قصة سياسية عميقة تحتاج إلى بحث وتدقيق وتفكيك هادئ، بعيداً عن الانفعال، لفهم ما إذا كان ما جرى استثناءً عابراً أم قاعدة جديدة في علم السياسة المعاصر.
https://telegram.me/buratha

