ياسر عبد الزهراء الحجاج
الملحق الثقافي العراقي السابق في إيران
حين كنت طالباً في الجامعات الإيرانية، لفت انتباهي الحضور الواضح لنزعةٍ قومية في المجتمع الإيراني، لم يكن ذلك مجرد انطباع عابر، بل كنا نلمسه في القاعات الدراسية من خلال المحاضرات والمناقشات العلمية، ونراه في الأسواق أثناء التسوّق، وفي الأحاديث اليومية مع الباعة والمارة، إنها نزعة تقوم على الاعتداد بالنفس، والثقة العالية، واستحضار السرديات ذات البعد الحضاري والتاريخي لبلاد فارس.
ففي أحاديثهم الخاصة، قد يميل بعض الإيرانيين إلى المبالغة في نقد أوضاعهم المعيشية، وإلقاء اللوم على حكوماتهم بسبب ما آلت إليه الظروف الاقتصادية والحروب والتحديات المختلفة، لكن هذا الخطاب سرعان ما يتبدّل عندما يشعرون أن طرفاً أجنبياً يصغي إليهم حتى يتحول النقد إلى دفاع، ويبرز تمسّكهم بنظامهم ومنجزاته على مدى عقود.
فهل هذه ازدواجية في المعايير أم نزعة قومية؟
ومن هنا.. وفي ظل التوترات الإقليمية والحرب المتصاعدة في منطقتنا، يبرز سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في مضمونه، لماذا لم يستسلم الإيرانيون؟ وكيف حافظوا على تماسكهم الداخلي رغم الضغوط السياسية والاقتصادية، والخسائر الناتجة عن العدوان الأمريكي-الإسرائيلي؟
للإجابة، لا يكفي الاكتفاء بقراءة الواقع الراهن، بل لا بد من التعمّق في البنية التاريخية والاجتماعية للمجتمع الإيراني، فإيران ليست مجرد دولة حديثة تتأثر تحولات مجتمعها بتغيّر الأنظمة، بل هي كيان حضاري عريق تشكّل عبر قرون طويلة من التراكم الثقافي والإنساني.
منذ أن عُرفت ببلاد فارس، مروراً بالإمبراطوريات القديمة كالهخامنشية والساسانية، ثم الدول اللاحقة كالصفوية والقاجارية والبهلوية، وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية، ظلّت هناك نقطة جامعة تربط بين هذه المراحل كلها، تتمثل في الشعور العميق بالانتماء إلى الأرض والجغرافيا، وهذا الشعور لم يكن مرتبطاً بنظام سياسي بعينه، بل تجاوز كل الانتماءات ليصبح جزءاً من الوعي الجمعي للإيرانيين.
وبالرغم من أن بعض الحقب شهدت فرض توجهات مذهبية أو سياسية محددة — كما في العهد الصفوي حين اعتُمد المذهب الجعفري الاثنا عشري مذهباً رسمياً — فإن ذلك لم يُلغِ التنوع الواسع داخل المجتمع الإيراني. إذ تضم إيران قوميات متعددة مثل العرب والكرد والبلوش والترك واللور، إلى جانب تنوّع ديني يشمل المسلمين بمذاهبهم المختلفة، إضافة إلى المسيحيين واليهود والزرادشتيين، ومع هذا التعدد، بقي العامل الأبرز الجامع هو الانتماء إلى الأرض.
كما لعبت الثقافة والأدب دوراً محورياً في ترسيخ هذا الارتباط. فالإرث الأدبي، من أشعار فردوسي وسعدي وحافظ، إلى الحكايات والأساطير الشعبية مثل قصة رستم وسهراب، والطقوس الاجتماعية مثل “نوروز” و”جهارشنبه سوري” و”يلدا”، أسهم في بناء صورة راسخة للوطن ككيان حضاري جامع، وقد تجلّت هذه الحالة اليوم في الأناشيد الوطنية والحماسية التي تعبّئ المجتمع، وتستحضر هذا المخزون الثقافي في سياق الاستعداد الروحي الشعبي للتصدي للعدوان المفروض على إيران.
وقد تجلّى هذا الانتماء بوضوح في مواجهة التحديات الخارجية عبر التاريخ. فقد شهدت إيران محطات صعبة من احتلالات وحروب وانقلابات، خاصة في القرن التاسع عشر حين خسرت أجزاءً من أراضيها في حروبها مع روسيا القيصرية، وتعرّضت لفرض معاهدات قاسية مثل تركمانجاي وكلستان. وفي العصر الحديث، بات المخيال الجمعي الإيراني مليئاً بذكريات التدخل الأمريكي السلبي في حياتهم السياسية، من انقلابات عسكرية دعمتها ضد حكومة محمد مصدق الشرعية عام 1953، إلى الحصار الاقتصادي المفروض عليهم منذ قيام الثورة الإسلامية، وصولاً إلى العدوان الأخير، إذ أصبح منعطفاً مهماً عزّز الحساسية تجاه السيادة الوطنية والانتماء إلى الوطن.
إن تراكم هذه التجارب التاريخية رسّخ قناعة عميقة لدى الإيرانيين بأن الحفاظ على استقلال بلدهم ضرورة وجودية مرتبطة بهويتهم. وغالبًا ما يتفوّق الانتماء الوطني على الخلافات الداخلية، سواء كانت قومية أو مذهبية أو أيديولوجية.
إن مشاهد الحضور الشعبي في الساحات الإيرانية اليوم ليست مجرد ردود فعل آنية إزاء الحرب المفروضة عليهم، بل تعبير عن ذاكرة جماعية متجذّرة ترى في الأرض والهوية عنصرين لا يمكن التفريط بهما.
لذلك، لا يمكن تفسير تماسك المجتمع الإيراني في ظل الحرب الحالية باعتباره نتاج قرارات سياسية مؤقتة فحسب، بل هو انعكاس لجذور حضارية عميقة وتقدّم التجربة الإيرانية نموذجًا لقدرة المجتمعات متعددة التنوع على الالتقاء حول هوية وطنية مشتركة، حيث تبقى الاختلافات قائمة، لكنها لا تنجح في كسر الرابط الأهم، وهو الانتماء إلى الأرض.
https://telegram.me/buratha
