المقالات

الترسيم البحري وخور عبد الله .. معركة السيادة ومستقبل العراق البحري !!


يُعد ملف ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت من أكثر القضايا حساسية في السياسة العراقية المعاصرة ، لأنه لا يرتبط فقط بالجغرافيا ، بل يمتد إلى السيادة والاقتصاد والأمن القومي .

وعندما تُقدَّم وثائق الترسيم إلى الأمم المتحدة ويتم تثبيتها قانونياً، فإن ذلك يعني انتقال الملف من مستوى الخلافات السياسية إلى إطار الشرعية الدولية الملزمة ، وهو تحول استراتيجي له تبعات طويلة المدى .

الترسيم البحري بحد ذاته يهدف إلى تحديد الحقوق السيادية في المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية ، بما يشمل الملاحة ، الصيد ، واستثمار الموارد الطبيعية . 

بالنسبة للعراق ، فإن أهمية الترسيم تكمن في حماية منفذه البحري القصير أصلاً ، ومنع أي نزاعات مستقبلية قد تعيق التجارة أو الاستثمار ، خصوصاً مع مشاريع استراتيجية مثل ميناء الفاو الكبير الذي يُعوَّل عليه ليكون بوابة اقتصادية إقليمية .

لكن السؤال الجوهري: هل الترسيم أهم من خور عبد الله ؟

لفهم الإجابة ايها القارئ ، يجب توضيح الفرق . 

خور عبد الله هو ممر مائي محدد جغرافياً يقع بين البلدين ، وهو موضوع اتفاقيات ثنائية وتنظيمات دولية سابقة ، أبرزها قرارات مجلس الأمن الدولي بعد عام 1991 بينما الترسيم البحري أشمل بكثير ، لأنه يحدد الحدود الكاملة في البحر وليس فقط ممراً ملاحيّاً واحداً مثل خور عبد الله .

من منظور الأمن القومي العراقي ، يمكن القول إن الملفين مترابطان لا متنافسان .

خور عبد الله يمثل الشريان الملاحي الفعلي للسفن العراقية ، أي أنه مسألة تشغيلية يومية تتعلق بحرية الوصول إلى الموانئ . أما الترسيم البحري فهو الإطار القانوني الاستراتيجي الذي يضمن استمرار هذه الحرية مستقبلاً ويمنع النزاعات . 

بمعنى آخر: خور عبد الله هو “الواقع الميداني” بينما الترسيم هو “الضمان القانوني” .

مع ذلك يرى كثير من الخبراء أن الترسيم قد يكون أخطر وأهم على المدى الطويل ، لأن تثبيته دولياً يجعل أي تعديل لاحق شبه مستحيل دون موافقة الطرفين ، وهو ما يرفع مستوى المسؤولية السياسية عند اتخاذ القرار .

في المقابل تبقى إدارة الممرات الملاحية قابلة للتفاوض الفني والتشغيلي بمرور الوقت .

الخلاصة أن أهمية الترسيم لا تلغي مركزية خور عبد الله للعراق ، لأن المنفذ البحري المحدود للبلاد يجعله قضية سيادية بامتياز .

لكن الترسيم يمثل السقف القانوني الذي يحمي هذا المنفذ .

لذلك يمكن اعتبار الاثنين معاً جزءاً من منظومة الأمن القومي البحري: الأول يحمي الحقوق على الورق ، والثاني يحمي الوصول على الماء . 

والنجاح الحقيقي للعراق يكمن في تحقيق توازن يحفظ السيادة ويؤمن المستقبل الاقتصادي دون خسارة أي من عناصر القوة البحرية المتاحة .

ولتحقيق هذا التوازن، يحتاج العراق إلى إدارة الملف بعقلية استراتيجية هادئة بعيدة عن الانفعال السياسي ، مع الاعتماد على الخبراء القانونيين والبحريين لضمان عدم التفريط بأي حق سيادي .

فالقضية ليست صراعاً آنياً بقدر ما هي رسم لمستقبل أجيال قادمة ، خاصة أن الموقع البحري للعراق محدود مقارنة بدول الجوار .

إن تعزيز القدرات المينائية ، وتطوير الأسطول البحري ، والاستثمار في البنية التحتية الساحلية ، كلها عناصر تكمل الترسيم القانوني وتحوله من نصوص على الورق إلى قوة فعلية على الأرض والماء .

عندها فقط يمكن القول إن السيادة محفوظة ، والقرار الوطني متوازن ، والمصلحة العراقية مؤمنة دون خسائر استراتيجية .

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
فيسبوك