المقالات

لماذا فشلت الدولة العراقية؟ (٣)


 

محمد عبد الجبار الشبوط||

 

الدولة الحضارية الحديثة اتجاه تاريخي عام قابل للقياس. وهذه الفكرة، بحد ذاتها معيار لقياس الدولة القائمة، من حيث انسجامها مع هذا الاتجاه التاريخي العام من جهة، ومن حيث تحقيقها لمعايير قياس الدولة الحضارية الحديثة، من جهة ثانية.

والحديث عن فشل الدولة العراقية الراهنة يتناول المسألة من زاويتين في ان معا: الزاوية الزمنية والزاوية المعيارية. زمنيا ندرس الدولة على مدى ١٠٠ سنة، ومعياريا ندرس الموقع الذي تحتله الدولة في مؤشرات قياس الدولة الحضارية الحديثة المتوفرة عالميا.

ذكرت هذا للتوضيح بان هذا الحديث لا يقيم الحكومات التي تعاقبت على حكم الدولة العراقية منذ قيامها قبل ١٠٠ عام، وانما يقيم الدولة في هذا المقطع الزمني، حتى وان كانت الحكومة احد مكونات الدولة كما ترى كتب القانون الدستوري الجامعية. مع ملاحظة ان  تحليلنا لبنية الدولة يختلف جزئيا عما هو مذكور في هذه الكتب. فقد ذكرنا في المقالات السابقة ان الدولة تشمل اربعة عناصر هي: الناس، الارض، شبكة العلاقات، منظومة القيم.

الدولة هي النتاج الاعظم للناس. ففي كل المجتمعات، ينتج الناس، او يقيمون دولتهم. والناس فئتان حكام ومحكومون. ويتصرف الطرفان بناء على منظومة القيم العليا السائدة في المجتمع، والتي تحيط بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة: الانسان، الارض، الزمن، العلم، العمل. فاذا كانت منظومة القيم سلبية امكننا ان نتصور قيام دولة متخلفة. واذا كانت القيم صالحة، اصبح بالامكان توقع انبثاق الدولة الصالحة.

تعاقب على حكم العراق حتى الان اربعة انواع من الحكام: الملوك، الضباط، البعثيون، الاحزاب.  وهذه المقالات لا تستهدف تقييم كل نوع على حدة. يستطيع القاريء ان يتصور ايجابيات او سلبيات كل نوع. ولن اتدخل في تصورات القراء هذه، لانها ليست الموضوع الذي اتناوله. فموضوعي المطروح للنقاش هو السؤال التالي: هل حققت الدولة العراقية بعناصرها الاربعة (الناس والارض والعلاقات المعنوية والمركب الحضاري) الدولة الحضارية الحديثة؟ هل سارت الدولة في خط الاتجاه التاريخي العام؟ وبالتالي هل تنطبق معايير الدولة الحضارية الحديثة على الدولة العراقية الراهنة؟

الاجابة عن هذه الاسئلة اصبحت معروفة. فالناس، من جهة اولى، يعرفون انهم لا يعيشون في دولة تحقق لهم متطلبات العيش الكريم، ومؤشرات الدولة الحضارية الحديثة العالمية، من جهة ثانية، لا تعطي درجة النجاح للدولة العراقية الراهنة.

اما الغرض من تناول المسألة بهذه الطريقة فهو توسيع افق النظر، وتعميق طريقة التحليل، خاصة وان بعض الناس ينظرون الى الموضوع من زاوية محدودة زمنيا، او ضيقة ايديولوجيا. والنظر الى الموضوع بهذه القيود والحدود يمنع الناظر من التوصل الى الاسباب العميقة للفشل في اقامة الدولة الحضارية الحديثة، كما يمنعه من التوصل الى معرفة سبل الخروج من حالة الفشل، ومن ثم اصلاح الدولة واعادة بنائها ووضعها على سكة الطريق المؤدي الى الدولة الحضارية الحديثة.

الظواهر التاريخية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخ لا تفسر بعامل واحد او سبب واحد. ولهذا فان بحثنا يسعى للتوصل الى مجموعة العوامل المشتركة في صنع الظاهرة. ولما كانت الدولة الحضارية الحديثة هي حصيلة العناصر الاربعة المذكورة انفا، فان النجاح في اقامتها يُعزى الى هذه العناصر مجتمعة، كما ان الفشل في اقامتها يعزى الى نفس هذه العناصر، كل عنصر بحسبه وبقدر حجمه وموقعه من البناء. واختصارا فاني الخص كل هذا الكلام بقولي: ان المركب الحضاري هو المسؤول عن النجاح او الفشل، والمركب الحضاري ليس عاملا واحدا، انما هو كل هذه العناصر مجتمعةً ومتفاعلةً فيما بينها. ولهذا فان فهم اسباب الفشل وتشخيص وصفة النجاح ينطلقان دائما من فكرة المركب الحضاري.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
Dhia Taher : السيد الوزير الطاقة في بريطانيا عندما لا تتوفر قوانيين دولية لدى امريكا وإسرائيل تلجا امريكا ومعھا إسرائيل ...
الموضوع :
بريطانيا: لن نشارك في حرب لا أهداف واضحة لها وخطتنا خفض التصعيد
Dhia Taher : استاذ انت مريض بالاخبار يقولون عليك لديك رعشھ مثل جورج دبليوا بوش الصغير ...
الموضوع :
وزير الحرب الأمريكي: نعمل وفق خطة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية
سامي جواد : نسيت ان انبه ان حتى الدولة العثمانية المستبدة هي أيضا من أوربا ...
الموضوع :
تاريخ اسود للارهاب الاوربي في الوطن العربي
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
فيسبوك