المقالات

ما لا يفهمه إلا الأب

1205 2015-11-23

يمر الأنسان بمواقف صعبة جدا, ورغم أنها تمضي وتمر, إلا أنها تبقى مرّة حتى عند تذكرها, بل وأن بعضها مما يستمر ألمه طويلا.
مما لا يمكنني نسيانه, هو ما حصل مع ولدي الأكبر, وكان لازال صغيرا, حيث كان يلهو قرب أمه, إلا أنه وفي لحظة غفلة, أخذ سلكا مما يستخدم في شحن السيارات, وأدخله في مقبس الكهرباء, فتعرض لصعقة شديدة لم تنتهي, إلا بإنقطاع التيار عن البيت كله.

سببت تلك الصعقة, حروقا بكلتا يديه, وهو لطف رباني, فوق ما أتصور أو أستحق, فنجاته من هكذا حادثة, كان أقرب للمستحيل, لكنه قدر ولطف.
وقت حصول الحادثة, كنت عائدا للتو من أيفاد عمل خارج العراق, وكان أخي قد أسرع به إلى المستشفى, وأسعف الحروق الشديدة التي حصلت بكلتا يديه, وهي إصابة تتطلب, أن يستمر علاجها فترة طويلة, ولإمتلاكي خبرة في الإسعاف الأولي والضماد, فقد توليت تضميده لشهر كامل.

من يعرف شيئا عن الحروق, يدرك أن تضميدها, يتطلب إزالة جزء من اللحم الحي, بالغسل بسوائل خاصة, وتغطيتها بدهون واقية ومضادة للإلتهاب, وتحتاج رعاية مستمرة, وهي من الإصابات المؤلمة جدا للمريض, فكيف إن كان طفلا؟!

يوميا عشت معاناة لا يسهل تصورها, فولدي يصرخ ويبكي ألما, ويتوسل لكي أتركه, حتى لو مات من حروقه على بساطتها, وأمه تبكي وتصرخ, وتفقد ما تبقى لها حكمة, تريد أن أتركه, لأنه لا يستطيع تحمل ألم التنظيف والتضميد, وبعد أن أنتهي, يهدأ أبني وأمه, يقبلني هو شاكرا, وتعتذر أمه عما قد قالته, دون وعي ولم أسمعه أصلا, فلم أكن مصغيا لها.

بعد خروجهما, أبقى وحدي في غرفة الضيوف, حيث كنت أضمده, ورغم الجلد والصبر الذين أملكهما, كنت أبكي بشكل هستيري, لأني لم أستطيع أن أخفف شيئا من ألم ولدي, وأتعجب من نفسي, كيف تحملت ألمه, ولم أفعل له شيئا؟!.

لازالت أتذكر هذه الأيام ولن أنساها, رغم ما تفضل به الباري علي, من شفاءه ولدي, إلا من أثار بسيطة على يديه, لكن أكثر ما كان يجعلني أعيش تلك اللحظات مرة أخرى, كان حضور مجالس الحسين, عليه و على أله أفضل الصلوات, وخصوصا عندما يذكر الرواة, رمي الإمام بنفسه, بدون النزول من فرسه, على ولده علي الأكبر, وهو مقطع إلى أشلاء.

أفهم جيدا أنه إمام معصوم, وله من القدرة الذاتية والصبر وغيرها من الصفات, ما يجعله إنسانا غير عادي, لكنه أب.. هل يمكن فهم إحساس أب, وهو يرى ولده مقطعا, تغطيه دمائه, وهو عاجز أن يقدم له, حتى شربة ماء.. قليلا من الماء عند إحتضاره؟!
لا أظن أن هناك من يفهم ولو جزأ من الصورة, إلا أب أو أم, وليس أي أب أو أم.. فكيف والمقتول, أشبه الناس بمحمد عليه وأله افضل الصلوات؟!

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك