يتصاعد الجدل في الأوساط الاقتصادية والرقابية بشأن آلية إدارة أموال الضمان الصحي المرتبطة بمنظومة الفيزا الإلكترونية، بعد أن كشفت شركات تأمين مرخّصة عن وجود فروقات مالية كبيرة بين ما يُستوفى من الوافدين إلى العراق تحت عنوان "الضمان الصحي الإلزامي" وما يصل فعلياً إلى الجهات المعنية.
وتؤكد الشركات أن الملف لم يعد إدارياً فحسب، بل أصبح قضية تتعلق بحماية المال العام وتنفيذ قرارات مجلس الوزراء، في ظل ما تصفه بـ"استقطاعات غير مبررة" من إيرادات بمليارات الدنانير سنوياً.
ربط الفيزا بالضمان.. الفكرة سليمة والتنفيذ محل خلاف
وبحسب ممثلين عن شركات الضمان الصحي، فإن الحصول على الفيزا الإلكترونية أصبح مشروطاً بتقديم وثيقة ضمان صحي صادرة عن عشر شركات تأمين محددة ومرخّصة من ديوان التأمين ومتعاقدة مع هيئة الضمان الصحي.
وأكدوا أن "الاعتراض لا يتعلق بمبدأ ربط الفيزا بالتأمين الصحي، إذ إن ذلك ينسجم مع قانون إقامة الأجانب رقم (76) لسنة 2017 وقانون الضمان الصحي رقم (22) لسنة 2020، بل يتعلق بآلية تحصيل وتوزيع الأموال".
وأوضحوا أن مبالغ الضمان الصحي تُجبى عبر الشركة المشغّلة لمنظومة الفيزا الإلكترونية، ثم تُعاد توزيعها – بحسب وصفهم – بطريقة غير عادلة، حيث تذهب الحصة الأكبر إلى الجهة المانحة للفيزا أو أطراف وسيطة، فيما تحصل شركات التأمين على نسبة محدودة لا تعكس حجم الأقساط المفروضة على الوافدين.
أرقام كبيرة… وحصص متآكلة
وكشفت مصادر من داخل قطاع الضمان الصحي أن بعض العقود المرتبطة بمنظومة الفيزا الإلكترونية تدر إيرادات قد تصل إلى نحو 10 مليارات دينار عراقي خلال فترات قصيرة، في حين لا تتجاوز المبالغ التي تصل فعلياً إلى شركات الضمان الصحي ملياري دينار.
وأشارت المصادر إلى أن "الفارق يُبرر غالباً بوجود شركات استشارية أو جهات وسيطة"، إلا أن شركات التأمين المتضررة تشكك في قانونية هذه الجهات، مؤكدة أن "بعضها غير معروف على مستوى السوق التأميني ولا يمتلك نشاطاً فنياً واضحاً يبرر استقطاع نسب مرتفعة من الأموال".
قرار حكومي واضح… وتنفيذ متعثر
ويستند المتضررون في مطالبهم إلى قرار مجلس الوزراء رقم (798) لسنة 2025، الصادر في الجلسة الاعتيادية التاسعة والثلاثين المنعقدة بتاريخ 30 أيلول 2025، والذي وضع إطاراً تنظيمياً واضحاً لآلية الربط بين الفيزا الإلكترونية ووثيقة التأمين الصحي.
ونص القرار في فقرته الأولى على اعتماد منظومة الفيزا الإلكترونية الاتحادية منصة موحدة لإصدار سمات الدخول، مع تنفيذ إصدار وثيقة التأمين الصحي حصراً عبر شركات التأمين المرخصة من ديوان التأمين والمتعاقدة مع هيئة الضمان الصحي.
كما ألزم القرار في فقرته الثانية وزارات وجهات عدة، بينها الخارجية والداخلية والعمل والثقافة والهيئة الوطنية للاستثمار، بعدم منح أي سمة دخول ما لم يتم استحصال وثيقة الضمان الصحي عبر المنصة المعتمدة.
الفقرتان الثالثة والرابعة… محور النزاع
ويرى ممثلو شركات الضمان الصحي أن جوهر الخلاف يتمثل في الفقرة الثالثة من القرار، التي نصت صراحة على التزام المنصة بالعقد الموقع وعدم استقطاع أي مبالغ إضافية خارج إطار التعاقد.
وبحسب الشركات، فإن الواقع يشهد استقطاعات تحت مسميات غير منصوص عليها في القرار أو العقود المعلنة، ما يعد مخالفة مباشرة لنص القرار.
أما الفقرة الرابعة، فقد أكدت أن "تؤول المبالغ كافة إلى هيئة الضمان الصحي"، وهو ما تقول الشركات إنه لا يُطبق عملياً، إذ لا تصل الإيرادات كاملة إلى الهيئة، ولا تُحوّل إلى شركات التأمين وفق النسب المتفق عليها.
مخاطر تتجاوز الشركات إلى سمعة الدولة
وحذرت شركات الضمان الصحي من أن استمرار هذه الآلية سيؤدي إلى "إضعاف الملاءة المالية لشركات التأمين المرخصة وتقليص قدرتها على تغطية المطالبات الصحية للوافدين وخلق بيئة طاردة للاستثمار في القطاع التأميني وتعميق الشبهات حول الشفافية في إدارة إيرادات الفيزا الإلكترونية".
وأكدت أن "إضعاف الشركات المرخصة سيؤثر مستقبلاً على جودة الخدمات الصحية المقدمة للوافدين، وقد يدفع بعض الشركات إلى الانسحاب من هذا القطاع".
دعوات للرقابة وكشف الحسابات
وطالبت الشركات بتفعيل الفقرة السادسة من القرار، التي ألزمت وزارة الداخلية بتزويد هيئة الضمان الصحي وديوان التأمين بحساب النافذة الإلكترونية (Portal) الخاصة بمنظومة الفيزا الإلكترونية، بما يسمح بالاطلاع على التعاقدات وتقارير الإيرادات بشكل مباشر.
كما دعت إلى إشراك ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة في مراجعة العقود والتحويلات المالية المرتبطة بالملف، وفتح تحقيق رسمي بشأن ما يُثار عن وجود شركات استشارية غير معروفة تستقطع نسباً كبيرة من الإيرادات.
ويضع هذا الملف الحكومة أمام اختبار جديد في ملف الشفافية وإدارة الموارد غير النفطية، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تعزيز الثقة بالأنظمة الإلكترونية والحوكمة الرقمية.
وبين أرقام بمليارات الدنانير وتساؤلات حول آليات التوزيع، يبقى الحسم مرهوناً بوضوح الإجراءات الرقابية، وكشف تفاصيل العقود، وضمان أن تذهب الأموال إلى وجهتها القانونية بعيداً عن أي استقطاع أو تضارب مصالح.
https://telegram.me/buratha

