تناولت صحيفة "ذا ناشيونال" الناطقة بالإنجليزية، في تقرير موسّع قالت إنه يتضمّن "تفاصيل تُروى لأول مرة"، تحوّل وضع القائد الكردي مظلوم عبدي خلال أقل من شهر، من قيادة قوات تسيطر على نحو ثلث مساحة سوريا، إلى الانكماش داخل ركن شمالي شرقي ضيّق جرى تسليمه إلى الحكومة المركزية بموجب صفقة توسطت فيها الولايات المتحدة.
وبحسب الصحيفة، يقضي الاتفاق بدمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة الجديدة، التي تخضع اليوم لسيطرة تيار أيديولوجي مختلف تمامًا، يقوده نظام ابو محمد الجولاني، القيادي السابق في تنظيم القاعدة الارهابي الذي أصبح مقرّبًا من واشنطن بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في كانون الأول 2024.
وينقل التقرير عن أحد أقارب مظلوم عبدي، نشأ معه في مدينة كوباني، قوله إن "أحلام عبدي تبددت، لم يعد لديه أي خيارات، إنه محطم"، في إشارة إلى شعور عميق بالخذلان لدى الدائرة المقرّبة من القائد الكردي.
"مشروع أكبر" يطيح بنفوذ قوات سوريا الديمقراطية
وبحسب "ذا ناشيونال"، أصبح مشروع قوات سوريا الديمقراطية ضحية "لمشروع أكبر" يتجاوز حدود شرق الفرات، في ظل مساعٍ أميركية لتحسين العلاقات مع تركيا، والتقدّم في اتجاه اتفاق سلام سوري–إسرائيلي، إلى جانب النظر إلى دمشق بوصفها حصنًا في مواجهة نفوذ إيران.
وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، تخلّت قوات سوريا الديمقراطية عن مساحات واسعة ذات أغلبية عربية كانت قد سيطرت عليها خلال الحرب الأهلية، وفضّلت الانسحاب على خوض مواجهة مفتوحة مع الهجوم الحكومي الذي بدأ من مدينة حلب واتجه شرقًا.
وتقول الصحيفة إن القوات السورية الحكومية انتشرت بموجب اتفاق "التكامل" في مدن الحسكة وكوباني والقامشلي، بينما تراجعت قوات سوريا الديمقراطية إلى جيب ذي أغلبية كردية ملاصق للحدود مع تركيا والعراق، في وقت تُعدّ فيه أنقرة الداعم الإقليمي الأبرز للرئيس أحمد الشرع، وتتبنّى هدفًا معلنًا هو إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية.
وتضيف "ذا ناشيونال" أن الحكومة المركزية استعادت، مع هذا الانتشار، معظم الموارد الزراعية والكهربائية وحقول الطاقة التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك إنتاج يقدَّر بنحو 100 ألف برميل من النفط يوميًّا.
انهيار "العقد الاجتماعي" لمشروع الحكم الذاتي
وتشير الصحيفة إلى أن الاتفاق لم يكن عسكريًا وأمنيًا فقط، بل أصاب في العمق "العقد الاجتماعي" الذي صاغته قوات سوريا الديمقراطية كوثيقة تأسيسية لحكمها في شمال شرق سوريا، والذي كان يتصور شكلاً من أشكال الديمقراطية المحلية مع تركيز على حقوق النساء والأقليات، والاعتراف بالتعددية اللغوية، بما في ذلك إدراج اللغة السريانية إلى جانب العربية والكردية في بعض المناطق ذات الحضور المسيحي.
وتوضح "ذا ناشيونال" أن تطويق المراكز السكانية الكردية، وتفكيك نموذج الإدارة الذاتية الذي ضمّ مناطق ذات أغلبية عربية، يعني عمليًا إعادة معظم تلك المناطق إلى سلطة دمشق، وإعادة فتح ملف مستقبل الأكراد في سوريا من نقطة أقرب إلى ما قبل 2011، ولكن في ظل سلطة جديدة وميزان قوى مختلف.
من كوباني إلى معسكرات حزب العمال الكردستاني
ويعود التقرير إلى سيرة مظلوم عبدي، فيذكر أنه نشأ في مدينة كوباني الفقيرة على الحدود مع تركيا، وسط بنية تحتية مهملة وانقطاعات متكررة في الكهرباء، بينما كانت أبراج الأمن التابعة لأجهزة النظام تراقب الحياة اليومية للسكان.
وتنقل الصحيفة عن أحد أقارب عبدي أن والده، الطبيب خليل، كان معجبًا بالزعيم الكردي العراقي الملا مصطفى بارزاني، قبل أن يرتبط سياسيًا ووجدانيًا بزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بعد لجوئه إلى سوريا أواخر السبعينيات، لدرجة أن أوجلان كان ينادي مظلوم عبدي بـ"ابني بالتبني".
وتشير "ذا ناشيونال" إلى أن عبدي حقّق درجات دراسية مرتفعة أهلته لدراسة الهندسة في جامعة حلب، قبل أن يغادر إلى معسكرات التدريب التابعة لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق مطلع التسعينيات، حيث صعد في المناصب العسكرية داخل تنظيم توصف بنيته الداخلية بأنها "ستالينية"، ما جعل الخروج منه شبه مستحيل.
ومع اندلاع الانتفاضة ضد نظام الأسد عام 2011، عاد عبدي إلى سوريا مع مجموعة من كوادر الحزب، وكانت مهمته، بحسب قريب له تحدّث للصحيفة، هي منع كوباني ومراكز كردية أخرى من الخروج عن سيطرة النظام في تلك المرحلة، وهي نقطة يستخدمها منتقدون اليوم لاتهام وحدات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني بقمع المعارضة والتعاون مع أجهزة الأسد في بدايات الثورة.
اختيار أميركي.. وقرار الانسحاب بدل المواجهة
وتذكر الصحيفة أن الجيش الأميركي اختار مظلوم عبدي عام 2015 لقيادة قوات سوريا الديمقراطية، التي أنشأتها واشنطن كقوة برية رئيسية في الحرب ضد تنظيم "داعش" في سوريا، بعد أن اعتبره ضباط أميركيون وكرد عراقيون شخصية أكثر تركيزًا وبراغماتية من غيره.
وينقل التقرير عن مصدر كردي التقى عبدي نهاية العام الماضي أنه "يقرأ الأوضاع بدقة متناهية"، ويفهم الحقائق على الأرض أكثر من الشخصيات ذات النزعة الأيديولوجية داخل قوات سوريا الديمقراطية، مثل إلهام أحمد، التي تلقت هي الأخرى تدريبًا في معسكرات حزب العمال الكردستاني وتعمل كحلقة وصل سياسية للمشروع.
وبحسب "ذا ناشيونال"، اتخذ عبدي قراره بعدم مقاومة التقدم الحكومي بعد التشاور مع الزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني، نجل الملا مصطفى، رغم العداوات التاريخية بين حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده بارزاني.
وتنقل الصحيفة عن المصدر نفسه أن عبدي "يجري تقييماته بناءً على التوازن العسكري على الأرض، لا على الأيديولوجيا ولا على ضغوط المجتمع"، لكن مشكلته الجوهرية كانت أن الدعم العسكري الذي تلقّاه من الولايات المتحدة لم يُستكمل بدعم سياسي مكافئ يضمن تمثيلًا واضحًا لقوات سوريا الديمقراطية في التسوية النهائية
عبدي خارج السلطة الجديدة؟
وتشير "ذا ناشيونال" إلى أن الاتفاق الحالي يعرض منصب نائب وزير الدفاع في الدولة الجديدة على شخصية كردية من الصف الكردي، لكن مصادر قريبة من عبدي تستبعد أن يكون هو صاحب هذا المنصب، وتقول إنه "تجاوز استياءه من الحكومة الحالية، لكنه لن يكون جزءًا منها".
وبينما تستكمل القوات الحكومية انتشارها في الشمال الشرقي، يخلص التقرير إلى أن القائد الذي انتقل من معسكرات حزب العمال الكردستاني في الجبال إلى قيادة أكبر قوة برية حليفة لواشنطن في الحرب على "داعش" الارهابي يجد نفسه اليوم محاصرًا في زاوية سياسية وعسكرية ضيقة، تشبه في رمزيتها الجيب الجغرافي الذي انكمشت إليه قواته شرق الفرات.
https://telegram.me/buratha

