طاهر باقر
هل هناك غموض في القرآن الكريم حتى يكون بحاجة الى تفسير المفسرين؟ اليس المفسرون هم الذين تسببوا بانقسام المسلمين؟ وهل هناك كتاب سماوي اكثر من القرآن الكريم في سهولة التعبير ووضوح المعاني؟ هذه استفهامات تبدر للانسان عندما يجري الحديث عن تفسير القرآن الكريم؟ وهي تفترض نوعا من التشكيك في دور المفسرين في تاريخ الاسلام!
فمن يقول بعدم الحاجة الى اهل بيت النبوة صلوات الله عليهم من اجل ادراك معاني القرآن الكريم هو يشير الى وضوح المعاني وانسيابية التعابير القرآنية ويستدل على ذلك بسورة الفاتحة التي تحتوي على كلمات وجمل وعبارات واضحة الدلالة ولاحاجة لفهمها الى تدخل المفسرين، وبعضهم يقول انه لدينا الكثير من المفسرين وقد اغنونا عن الحاجة الى غيرهم في تفسير القرآن الكريم.
ولو اخذنا سورة الفاتحة على سبيل المثال لوجدنا انها سلسلة المفاهيم وتبدأ بالحمد والثناء (الحمد لله رب العالمين)على نعمائه وجزيل احسانه، وقد وسعت رحمته العالمين جميعا في الدنيا (الرحمن الرحيم) واختص برحمته المؤمنين خاصة بالآخرة، وهو (مالك يوم الدين) والحساب، والجدير بالعبادة والاستعانة وهنا لابد ان يقر العبد بذلك ويقول )اياك نعبد واياك نستعين( وهو اضافة الى ذلك بحاجة الى عون الله وهدايته للاستمرار على هذا الدرب فيقول )اهدنا الصراط المستقيم(، وهو طريق الذين سبقونا بالايمان ممن انعم الله عليهم من الانبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، )صراط الذين انعمت عليهم( وهذا الصراط هو بلا شك مختلف عن صراط الذين غضب الله عليهم او الضالين.
وبهذا الشكل يمكن ان يستدل صاحب مقولة لاحاجة لنا لاهل البيت صلوات الله عليهم لفهم معاني ومغازي القرآن الكريم بكثير من السور الميسرة التي لايتعسر على القارئ فهمها، فسورة الفاتحة هي واضحة الى درجة انها لاتحتاج الى تفسير كما هو حال سور اخرى مثل، الاخلاص او حتى المعوذتين والنصر والتين والقارعة والزلزلة.
الجزء الاعظم من القرآن الكريم هو واضح المعاني، لكن هناك آيات لايمكن ادراك معانيها الا مع التفسير او التأويل، وبعضها يتصل بحقيقة الدين ولايكتمل دين واحد من المسلمين الا بمعرفتها والاعتقاد بها، ولايستطيع ان يتجاهلها ويغض النظر عنها، لان الانتقاص منها هو انتقاص في الدين.
المشكلة التي لايمكن التهرب منها هي ان الله سبحانه هو الذي وضع هذه الرموز والألغاز ويريد منك انت المسلم ان تبدأ بتحقيقك ومراجعاتك ولاتتكل على المشايخ الذين يظهرون اشياء ويكتمون اشياء اخرى فانت الذي تقول باتباع سنة الرسول الاعظم سيكون امتحانك على هذا المستوى.
لقد وضع الله سبحانه اللغز هنا عندما اتى بذكر اهل البيت في وسط آيات جميعها تتحدث عن نساء النبي، فهل المقصود بأهل البيت هم نساء النبي؟ فانت الذي تدعي بانك تتبع سنة النبي الاعظم يجري اختبارك هنا لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حدد بوضوح في احاديث وروايات متعددة من هم اهل البيت؟.
انت تتبع مفسرا يمكن ان يوصلك الى الجحيم اذا فسر الآية بشكل مختلف عن تفسير رسول الله، نعم هناك مفسرون يقودونك الى شتم رسول الله والتعدي عليه ووصفه بسوء الخلق والجهل، وهناك آيات مصيرية بامكانها ان تحدد مسار الانسان في الحياة الدنيا وتقلب مسيرته الفكرية والعقائدية، لكننا مجتمعات كسولة وليست لدينا الارادة على اجراء التحقيق بما يرتبط باهم شيئ في حياتنا وهو ديننا، وقد تعلمنا كلام عامي "ذبها براس عالم واطلع منها سالم" يعني هو يتلقف المسألة من رجل الدين بكل ماتحتوي من تناقضات عقلية ودينية حتى يفلت هو من مهمة القيام بعملية تحقيق.
ان الانحراف عن التفسير السليم للقرآن الكريم سيوقعك في مطبات عظيمة وسنضرب امثلة بسيطة على ذلك، في سورة (عبس) : ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) . لو اخذت بالتفسير المنحرف وقلت بان المقصود بهذه الآيات هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لضربت القرآن الكريم بعضه ببعض واتهمت نبيك الكريم باخلاقه الحميدة، وهل يعقل ان القرآن الكريم يقول (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ومرة أخرى يصفه بالعبوس وسوء الخلق؟.
تخيل نفسك انك واقف في يوم الحساب ويقولون لك ان احدى ذنوبك العظيمة هي قولك على رسول الله بانه سيئ الخلق وانه عبوس ومتكبر على الضعفاء والفقراء وهذا ليس مجرد ذنب عظيم انه ذنب يخرج الانسان من دين الله لانه يتهم النبي باسوء الاشياء؟.
ومثال آخر هو القول بان نبي الاسلام يجهل القراءة والكتابة بينما الدين يدعو الى العلم والمعرفة ولو عدنا الى سبب هذا الاعتقاد الخاطئ لوجدنا انه نابع من تفسير خاطئ للقرآن الكريم وخاصة تفسير عبارة "النبي الامي" والمتعارف لدينا في زماننا ان الامي هو الذي لايعرف القراءة والكتابة في حين انها كانت لديها معاني مغايرة في زمن بعث الرسالة والدليل على ذلك ان كلمة الاميين وهي جمع لكلمة الامي لاتعطي معنى عدم معرفة القراءة والكتابة مثل ماورد في سورة الجمعة ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ) هل كانت قريش كلها لاتعرف القراءة والكتابة؟ هذا غير معقول !! وارتبك المفسرون وتضاربت آراءهم وقالوا بان الاميين هم العرب، لكنهم فسروا النبي الامي بانه الذي يجهل القراءة والكتابة، واذا كان الاميون هم العرب فلماذا لايصبح النبي الامي هو النبي العربي؟.
اضف الى ماقيل آنفا رواية واضحة المعنى والدلالة بشأن معرفة النبي الاعظم للقراءة والكتابة ورسم الحروف كما ورد في منية المريد: "روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لبعض كتابه: ألق الدواة وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على اذنك اليسرى، فإنه أذكر لك ، وعن زيد بن ثابت أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه" ومن يعرف رسم الحروف واشكالها هو بلا شك يعرف القراءة والكتابة.
ان تخطأ بحق النبي وتشتمه وتكيل له التهم بسوء الخلق وبين ان تأخذ التفسير الصحيح من منهله العذب هي نفس الفاصلة التي تأخذ فيه تفسير القرآن الكريم من ائمة اهل البيت صلوات الله عليه او تأخذها من سائر المفسرين.
يااخوان هذه القضية خطرة لانها متعلقة بصميم دين الانسان والخطأ فيها معناه السقوط في قعر جهنم فلايجوز التهاون بها والمرور عليها مرور الكرام، ارجعوا الى آية الوضوء في القرآن الكريم فالتفسير الخاطئ لهذه الآية معناه هو بطلان الوضوء ويطلان الوضوء هو بطلان الصلاة، وتصور نفسك انك واقف في يوم الحساب ويقولون لك ان كل الصلاة التي صليتها في الدنيا كانت باطلة ماذا عساك ان تفعل حينها؟
لذا هذه القضية ( معرفة التفسير الصحيح للقرآن الكريم) هي من اكبر قضايا الاسلام وهي التي تحدد مصير الانسان في الدنيا والآخرة، فهذا التفسير هو الذي سيدلك على الصراط المستقيم الذي انت بحاجة اليه حتى يوصلك الى جنان الخلد.
لسنا بحاجة الى كل هذا الاستدلال لاظهار ضرورة الاخذ بتفسير اهل البيت للقرآن الكريم لان الله سبحانه وتعالى نفسه ارشدنا الى الطريق الصحيح لحل هذه الاشكالية العظيمة فالله عزوجل هو الذي دلانا على اهل البيت لمعرفة القرآن الكريم ومعرفة تفسيره عندما قال في سورة آل عمران الآية السابعة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ولو سألنا جميع مفسري القرآن الكريم هل انتم (الراسخون في العلم ) الذين ذكرهم الله في كتابه سيقولون (كلا).
التحقيق حول هذا الموضوع سهل جدا، سنذهب الى اكابر مفسري القرآن الكريم ونستدل من خلال تفاسيرهم انهم ليسوا من الراسخين في العلم وليسوا ممن ذكرهم الله في كتابه المجيد لنأخذ آية هي من الآيات العظام التي اختلف بشأنها المسلمون بسبب اختلاف المفسرين بشأنها وهي الآية (55) من سورة المائدة (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ولو اتفق المفسرون على تفسير واحد لهذه الآية لما حصل كل هذا التشتت بالمذاهب، لكنهم اختلفوا وادخلوا الامة في ضياع كبير.
ارجعوا الى مفسري هذه الآية لوجدتم ان معظمهم ياتي باقوال شتى وبعضهم اورد سبعة اقوال في معنى هذه الآية ولو كان من الراسخين في العلم لقال عبارة واحدة وجوابا واحدا في تفسيرها؛ لا ان ياتي باقوال متعددة ليتضح من خلالها انه غير متيقن من كلامه وانه لايركن لراي واحد في الموضوع.
لم اكتب هذه المقالة استنصارا لمذهب وتحقيق غلبة على مذهب آخر بل الغرض هو نصرة الدين الواضح النقي ونصرة اهل بيت الرسالة الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وهم الذين لايختصون بطائفة دون اخرى لأنهم لكل المسلمين ولذا لانجد من بين فرق المسلمين من يعلن معاداة اهل البيت بل جميع الفرق تودهم وتحترمهم ومقاماتهم في مصر وغيرها هي شاهدة على هذا المعنى وهي محل زيارة الملايين منهم ومقام الامام الحسين عليه السلام في القاهرة خير دليل على هذا المدعى.
لقد احكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرباط بين القرآن الكريم واهل بيته الى درجة عدم الانفكاك بينهما فقال: "إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض".
بقلم : طاهر باقر
https://telegram.me/buratha
