شهدت الأروقة السياسية في لندن أمس تطورات دراماتيكية داخل حزب العمال، حيث تحولت توقعات مقر رئاسة الوزراء من احتواء أزمة التمرد الداخلي إلى واقع عزز من موقف المعارضين لكير ستارمر، حيث جاء ذلك بعد استقالة وزير الصحة ويس ستريتنغ من الحكومة وإعلانه دعمه لحركة التغيير.
وبحلول ظهير أمس، كان مستشارو داونينغ ستريت واثقين من نجاحهم في إفشال تحركات كل من ويس ستريتنغ وأندي بورنهام، حيث أبلغوا الصحفيين بأن "ستريتنغ أحجم عن المواجهة" وأن "بورنهام لم يجد مقعدا برلمانيا يخوض عبره المعركة". لكن بعد 5 ساعات فقط، انقلبت هذه التقديرات رأسا على عقب، عندما أعلن ستريتنغ استقالته من الحكومة، مما أعطى زخما قويا لحركة المعارضة الداخلية لستارمر، بينما أكد النائب جوش سيموندز عن دائرة ميكرفيلد تنازله عن مقعده لتمهيد الطريق أمام بورنهام للعودة إلى مجلس العموم.
وكان ستريتنغ في مكتبه بمنطقة وستمنستر يتلقى اتصالات من وزراء في الحكومة كلفهم كير ستارمر بمحاولة ثنيه عن الاستقالة، عندما قرر المضي قدما في خطوته. وقال لمستشاريه: "حسنا، لقد اتخذت قراري، دعوني أكتب رسالتي". وجاءت رسالة الاستقالة التي وجهها إلى رئيس الوزراء نقديا لاذعا لسجل ستارمر، حيث كتب: "حيث نحتاج إلى رؤية، نجد فراغا. وحيث نحتاج إلى توجيه، نجد ترددا. وقد تجلى ذلك في خطابك يوم الاثنين. فالقادة يتحملون المسؤولية، لكن ذلك يعني في كثير من الأحيان أن الآخرين هم من يدفعون الثمن".
غير أن الفقرة الأبرز في الرسالة كانت أكثر واقعية، حيث دعا ستريتنغ إلى ضرورة إجراء منافسة لاختيار بديل لستارمر، مشددا على أن هذه المنافسة "يجب أن تكون واسعة النطاق، وأن تضم أفضل مجموعة ممكنة من المرشحين".
وبعد دقيقتين فقط من نشر الرسالة، تلقى مراسل سياسي اتصالا من أحد الوزراء يفيد بأن "ستريتنغ وبورنهام توصلا إلى تفاهم"، وأنهما اتفقا على جدول زمني ممتد للمنافسة يمنح بورنهام الوقت والفضاء اللازمين للعودة، مما يعني عمليا أن "الأمر قد انتهى".
وكانت آخر محاولات كير ستارمر اليائسة للتمسك بالسلطة تتمثل في محاولة إحداث انقسام بين المتمردين الذين يطالبون بفترة منافسة طويلة لتسهيل عودة بورنهام، وأولئك الذين يفضلون منافسة قصيرة تخدم مصالح ستريتنغ. لكن استراتيجية المقر الرسمي لرئاسة الوزراء في استفزاز المعسكرين ودفعهما ضد بعضهما البعض أدت دون قصد إلى توحيدهما.
وقال أحد وزراء الحكومة في تصريح خاص: "نحن الآن أمام وضع تتوحد فيه أبرز الأسماء المنافسة على القيادة خلف جدول زمني لرحيل ستارمر، حيث يدعم هذا التوجه ثلثا أعضاء الحكومة، ونصف الكتلة البرلمانية، بالإضافة إلى جميع النقابات العمالية المنتسبة. لقد ورط ستارمر نفسه بشكل كامل". وبعد ساعات قليلة من استقالة ستريتنغ، أكد سيموندز تنازله عن مقعده لتمكين بورنهام من خوض المنافسة.
وينفي مستشارو ستريتنغ وبورنهام وجود اتفاق رسمي بينهما بشأن الجدول الزمني للمنافسة، لكن مصدراً أكد أن الطرفين تحدثا يوم الجمعة، وإن كان الحديث ظاهرياً يدور حول تفشي فيروس هانتا وحقيقة أن بعض المرضى يتلقون العلاج في شمال غرب إنجلترا. وقيل بشكل غامض: "لم يتحدثا كثيراً عن السياسة".
ويعتقد بعض الوزراء أن هناك تنسيقا أكثر تعقيدا وسرية وراء الإعلانات المتتالية، حيث أحد أعضاء الحكومة إلى العلاقة الوثيقة بين جوش سيموندز ووزيرة الداخلية شبنه محمود، التي انفصلت عن ستارمر يوم الاثنين حين أخبرته بشكل خاص بضرورة وضع جدول زمني لرحيله.
وبحسب أحد زملائهما في الحكومة: "جوش وشبنه لا ينفصلان. فعندما عُينت وزيرة للداخلية، طالبت بترقيته إلى وزارتها. وعندما أبلغه كبير سوطي حزب العمال بأنه سيتم إرساله إلى مكتب مجلس الوزراء بدلا من ذلك، يُقال إنه رد قائلا: 'هذا ليس الخطة. تحدثوا مع شبنه'، ثم أغلق الهاتف".
فيما يصر حلفاء ستارمر على أن ستريتنغ وبورنهام يحاولان ببساطة التستر على حقيقة أن وزير الصحة السابق فشل في تأمين الأسماء الـ81 اللازمة لبدء تحدي فوري للقيادة. وقال أحدهم: "كل هذا هراء. لم يكن لدى ويس الأرقام الكافية واضطر للتراجع. لقد تعرض للإذلال الكامل".
لكن حلفاء ستريتنغ ينفون ذلك، ويؤكدون أن السبب الرئيسي للتوافق مع بورنهام كان الإدراك بأن أي شخص يفوز بالقيادة عبر منافسة لا تشمل من يسمي نفسه 'ملك الشمال' سيكون تفويضه مشوبا بالشك. وقالوا: "أدرك ويس أنه حتى لو فاز، فلن يحظى بشرعية حقيقية إذا لم يُسمح لأندي بالترشح. كان هذا سينتهي بتقسيم الحزب".
وأرسل قرار ستريتنغ بالاستقالة موجة صدمة عبر داونينغ ستريت. لكن بينما كان ستارمر ومساعده يحاولون دراسة سيناريوهات الرد على استقالة وزير الصحة، انتشرت شائعات بأن بورنهام على وشك تأمين مقعد. واتصل أحد الوزراء بالمراسل قائلا: "بدأ المقر الرسمي بالاتصال بمختلف الأطراف لمعرفة من يستعد للتنازل عن مقعده لصالحه. يريدون إجهاض الخطة برمتها".
وعندما اتصل المراسل بأحد مؤيدي بورنهام لنقل هذا الحديث، جاء الرد حازماً: "أنا متأكد من أنهم يفعلون ذلك. لكننا متماسكون". وكانت كلمتهم فعلًا. فكما فشلت محاولتهم لتهميش ستريتنغ، انتهت محاولة داونينغ ستريت للتدخل في خطة بورنهام بالفشل الذريع.
https://telegram.me/buratha

